مجمع البحوث الاسلامية
754
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
رعيّته ، فيبعث بعض عمّاله إلى دعوتهم إلى السّمع والطّاعة ، ويكتب في ذلك كتابا يأمره أن يقرأه عليهم ، ويلومهم على تمرّدهم واستكبارهم ، على ما بهم من الضّعف والذّلّة ولمولاهم من القوّة والسّطوة والعزّة ، ثمّ يبلغ الملك أنّهم ردّوا على رسوله ما بلغهم من قبله ، ويكتب إليه كتابا ثانيا يأمره بقراءته عليهم وإذا فيه : لعلّك لم تقرأ كتابي عليهم ، مخافة أن يقترحوا عليك بما لا تقدر عليه ، أو أنّهم زعموا أنّ الكتاب ليس من قبلي وإنّما افتريته عليّ افتراء . فإن كان الأوّل فإنّك رسول ليس عليك إلّا البلاغ ، وإن كان الثّاني فإنّ الكتاب بخطّي كتبته بيدي ، وختمت عليه بخاتمي ، ولا يقدر أحد غيري أن يقلّدني في ذلك . والتّأمّل في هذا المثال يعطي أنّ المقام فيما يتضّمنه الكتاب الثّاني من الخطاب مقام الاستبعاد ، وأنّ القصد من ذكر الاحتمالين ترك الإبلاغ . وزعم الافتراء ليس هو توبيخ الرّسول جدّا أو احتمال زعمهم الكذب والفرية جدّا ، وإنّما ذكر الوجهان لداعي أن يكونا كالمقدّمة لذكر ما يزول به الشّبهتان ، وهو أنّ الرّسول ليس له من الأمر شيء حتّى يقترح عليه بما يقترح ، وأنّ الكتاب للملك ليس فيه ريب ولا شكّ . ومن هنا يظهر أن قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ ليس يفيد التّرجّي الجدّيّ ولا مسوقا لتوبيخ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، ولا مرادا به تسليته وتطييب نفسه ، إثر ما كان يناله من الحزن والأسى بكفرهم وجحودهم ، لما أتى به من الحقّ الصّريح ، بل الكلام مسوق ليتوصّل به إلى ذكر قوله : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ هود : 12 . فما ذكره بعض المفسّرين أنّ الكلام مسرود لنهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عن الحزن وضيق الصّدر ، وبما كانوا يواجهونه به من الكفر والجحود ، والنّهي نهي تسلية وتطييب للنّفس ، نظير ما في قوله : وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ النّحل : 127 ، وقوله : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ الشّعراء : 3 ، 4 ، كلام ليس في محلّه . ويظهر أيضا أنّ قوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ إلخ ، وقوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ هود : 13 إلخ ، كشقّي التّرديد ، ويتّصلان معا بما قبلهما من وجه واحد ، كما ذكرناه . وقوله : تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ إنّما ذكر « البعض » لأنّ الآيات السّابقة متضمّنة لتبليغ الوحي في الجملة ، أي لعلّك تركت بعض ما أوحينا إليك من القرآن ، فما تلوته عليهم فلم ينكشف لهم الحقّ كلّ الانكشاف ، حتّى لا يجبّهوك بما جبّهوك به من الرّدّ والجحود ؛ وذلك أنّ القرآن بعضه يوضّح بعضا ، وشطر منه يقرّب شطرا منه من القبول ، كآيات الاحتجاج توضح الآيات المشتملة على الدّعاوي ، وآيات الثّواب والعقاب تقرّب الحقّ من القبول بالتّطميع والتّخويف ، وآيات القصص والعبر تستميل النّفوس ، وتليّن القلوب . وقوله : وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا . . . إلخ ، قال في « المجمع » : ضائق وضيّق بمعنى واحد ، إلّا أنّ ضائق هاهنا أحسن لوجهين : أحدهما : أنّه عارض ، والآخر : أنّه أشكل بقوله : ( تارك ) ، انتهى . ( 10 : 158 )